علي بن عبد الكافي السبكي

341

فتاوى السبكي

نفس يترجى أن تؤمن وأن تخرج من صلبها من يؤمن ولكنه هو الذي قتل نفسه بإصراره على الكفر فلما بذل الشهيد نفسه التي هي أعز الأشياء إليه وباعها لله تعالى طلبا لإعلاء كلمته فاقتطع دونها ويعينه تعالى ما يتحمل المتحملون من أجله ولا شيء أعظم مما يتحمله الشهيد جازاه سبحانه وتعالى وهو أكرم الأكرمين بما تقصر عقول البشر عنه وأول ذلك أنه لم يخرجه من الدنيا حتى أشهده ما له من الكرامة جملة وإن لم يدرك العقل والطرف تفصيلها فيرى بعينه من حيث الإجمال ما أعد الله له من الكرامة والخير ولذلك سمي شهيدا وهو فعيل بمعنى فاعل وقيل إنه فعيل بمعنى مفعول أو أنه سمي بذلك لأن الملائكة تشهده وتظله بأجنحتها والأول أصح وأشهر وعلى كلا التقديرين فهي حالة تحصل له شريفة ولهذا قلنا في حد حقيقتها إنها حالة شريفة تحصل للعبد ولو جزمنا بأنه فعيل بمعنى فاعل قلنا في العبد بأن شهوده للكرامة حالة تحصل منه في بصره وقلبه ولكنا قلنا له يصح على كلا القولين فإن شهود ملائكة الرضا له حالة حاصلة لأجله إلا أن الأول أعلى وأكمل وأعظم لما فيه مما يحصل في القلب من المعارف الربانية والبهجة النورانية وفي البصر من رؤية الجنة وكأنه أول قبض الثمن الذي باع الشهيد به نفسه وحصل ذلك في مقابلة شيئين أحدهما ما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله لأنه يشجع غيره من المسلمين على مثله ويخذل الكفار ويضعف نفوسهم وربما يدعوهم إلى الإسلام والثاني ما حصل له من الألم الذي لا شيء أعظم منه من فوات نفسه وتحققه لذلك قبل خروجها فإن حتف أنفه لا ييأس من نفسه بل إما يأتيه الموت فجأة أو بأمراض يترجى معها العافية أو يغيب عقله حتى تخرج روحه والشهيد قد تذرع أسباب الموت في حال حضور عقله وأعرض عن نفسه في رضا الله تعالى ومن هنا يعلم فضل هذه الصورة على ما بعدها لأن غيره من الشهداء قد لا يشاركه إلا في الألم فأنى يكون مثله وإن ساواه في بعض المعاني وصدق عليه اسم الشهيد والاسم يشترك فيه أعلى المراتب وأدناها فالناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف : أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد بالليل نارا